كوركيس عواد
278
الذخائر الشرقية
فلما حصلت مصر وصلت الكتاب وسألت التصرّف ، فسدّ اللّه عليّ التصرف حتى لم أظفر بتصرّف ولا لاح لي شغل . ونفدت نفقتي ، فبقيت متحيرا وفكّرت في أن أسأل الناس وأمدّ يدي إلى الطريق ، فلم تسمح نفسي بذلك . فقلت : أخرج ليلا وأسأل الناس بين العشاءين . فما زلت أمشي في الطريق وتأبى نفسي ، ويحملني الجوع عليها ، وأنا ممتنع ، إلى أن مضى من الليل نصفه ، فلقيني الطائف « 1 » ، فقبض عليّ ، فوجدني غريبا فأنكر حالي ، فسألني فقلت : رجل غريب ضعيف . فلم يصدقني وبطحني وضربني مقارع ، فصحت وقلت له : أنا أصدق ! فقال : هات . فقصصت عليه قصتي من أولها وحديث المنام . فقال لي : أنت رجل ما رأيت أحمق منك ! واللّه لقد رأيت منذ كذا وكذا سنة في النوم ، كأنّ قائلا يقول لي : ببغداد ، بالشارع الفلاني ، بالمحلة الفلانية ، قال : فذكر شارعي ومحلتي ، فسكتّ وأصغيت ، وأتمّ الشرطي الحديث . فقال : دار يقال لها دار فلان فذكر داري واسمي ، وفيها بستان فيها سدرة « 2 » تحتها مدفون ثلاثون ألف دينار ، فامض فخذها ! فما فكرت في هذا الحديث ولا التفتّ إليه ! وأنت أحمق ، فارقت وطنك وأهلك وجئت إلى مصر بسبب منام ؟ قال : فقوي قلبي بذلك ، وأطلقني الطائف . فبتّ في مسجد ، وخرجت من غد من مصر وقدمت بغداد . فقلعت السدرة وأثرت « 3 » مكانها ، فوجدت فيها قمقما فيه ثلاثون ألف دينار . فأخذتها ودبرت أمري . فأنا أعيش من تلك الدنانير ، وكلما ابتعته من ضيعة وعقار إلى الآن » « 4 » . ومن المكتشفات التي تمّت في المائة الرابعة للهجرة ، ما ذكره أبو بكر الصولي ، في أحداث سنة 328 ه - ( 939 م ) عن السكري صاحب أبي الحسين البريدي ، وأمر البريدي مشهور في تاريخ ذلك العصر . وخلاصة الخبر أن
--> ( 1 ) الطائف : العسس . وهو الذي يطوف في الليل حول البيوت حافظا ( تاج العروس . مادة : ط وف ) . ( 2 ) السدرة : شجرة النبق . ( 3 ) آثار التراب ، بمعنى نبشه وحفر فيه . ( 4 ) الفرج بعد الشدة للتنوخي ( 1 : 168 - 169 ، مطبعة الهلال سنة 1903 ) .